أبي منصور الماتريدي

417

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ولكن يحتمل : أن يريد آدم وولده « 1 » - إلى يوم القيامة - أن يجعل بعضهم خلفاء لبعض ؛ كقوله : وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ [ النمل : 62 ] ، أو يجعلهم خلفاء من ذكروا ، إن صح الذي قالوا . وجائز أن يكونوا على وجه الأرض ، إذ هي مخلوقة لهم قرارا ومهادا ومعادا ، وهم جعلوا سكانها وعمّارها - أن يكونوا خلفاء ، في إظهار أحكام الله تعالى ودينه ، كقوله لداود عليه السلام : إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ [ ص : 26 ] فجعله كذلك ليحكم بين أهلها بحكم الله ولا يتبع الهوى ، وبذلك أمر بنو آدم . وقوله : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ . قيل : بأمرك . وقيل : بمعرفتك . وقيل « 2 » : بالثناء عليك ؛ إذ كانوا أضافوا ذلك إلى أنفسهم دون أن يذكروا عظيم منّة الله عليهم بذلك ، واختصاصه إياهم بالتوفيق له ؛ إذ كيف ذكروا من نعوت البشر شرّ ما فيهم ، دون أن يحمدوا الله - بما وفقوا له - أو يدعوا للبشر بالعصمة والمغفرة مما ابتلوا . ولذلك - والله أعلم - صرفوا شغلهم من بعد إلى الاستغفار لمن في الأرض ، ونصر أولياء الله ، ولا قوة إلا بالله . ومن الناس من أخبر في ذلك : أن إبليس سألهم : لو فضّل آدم عليهم ، وأمروا بالطاعة له ما يصنعون ؟ فأظهر الله عزّ وجل أنه علم ما كتم إبليس من العصيان ، وما أظهروا هم من الطاعة . وهذا شئ لا يعلم حقيقته ؛ لأن المعاتبة كانت في جملة الملائكة ، والمخاطبة بالإنباء ، وما ألحق به وأمر بالسجود وكان في غيره . ولم يحتمل أن يكونوا يؤاخذون بسؤال إبليس اللعين . ولكن يحتمل وجوه العتاب الإخبار فيما لم يبلغوا العصيان ، والله الموفق . وقوله : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ . يحتمل : أن يكون علم لهم . ويحتمل : أن يكون علّم بإرسال ملك من غير الذين امتحنوا به . وفي ذلك تثبيت أحد وجهين :

--> ( 1 ) قاله ابن سابط ، أخرجه ابن جرير عنه ( 603 ) . ( 2 ) انظر تفسير البغوي ( 1 / 61 ) .